الشيخ محمد رشيد رضا
582
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
ليس في هذه الأمة ، ولعل مراده ان اللّه خص إبراهيم وقومه بأمن موحدهم من عذاب الآخرة مطلقا لا أمن الخلود فيه فقط ، ولعل سبب هذا إن صح أن اللّه تعالى لم يكلف قوم إبراهيم شيئا غير التوحيد اكتفاء بتربية شرائعهم المدنية الشديدة لهم في الأحوال الشخصية والأدبية وغيرها . وقد اكتشف الباحثون شريعة حمورابي الملك الصالح الذي كان في عهد إبراهيم - وقد باركه وأخذ منه العشور كما في سفر التكوين - فإذا هي كالتوراة في أكثر أحكامها ، وأما فرض اللّه الحج على لسان إبراهيم فقد كان في قوم ولد ، إسماعيل لا في قومه الكلدانيين ، وأما هذه الأمة فان من موحديها من يعذبون بالمعاصي على قدرها ، لأنهم خوطبوا بشريعة كاملة يحاسبون على إقامتها هذا - وأما حصر الامن فيمن ذكر على الوجهين فيؤخذ من تكرار الاسناد ثلاثا وتقديم المسند على المسند اليه الثالث ، ولولا إرادة الاختصاص لكان الكلام هكذا : الامن للذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم ، ولو قيل : اللذين آمنوا . . . الامن - لكان آكد ، وآكد منه أن يقال : الذين آمنوا . . . لهم الامن . وآكد من هذا نص الآية . وأما كون المراد بالظلم هنا الظلم العظيم منه فقد يدل عليه تنكيره ، وأما جعل هذا الظلم العظيم خاصا بالشرك باللّه تعالى فلا يعلم من نص الآية ولكن السياق وموضوع الايمان قد يدل عليه دلالة غير قطعية لغة كما علم مما تقدم . ولذلك فهم بعض الصحابة ( رض ) منه العموم المطلق وهم من أهل اللسان ، فأخبرهم الرسول عليه الصلاة والسّلام - وهو أعلم بمراد من أنزله عليه - بمعنا ، الدال على أنه من العام الذي أريد به الخاص ، روى احمد والبخاري ومسلم والترمذي وغيرهم من حديث ابن مسعود أن الآية لما نزلت شق ذلك على الناس وقالوا يا رسول اللّه وأينا لم يظلم نفسه ؟ فقال ( ص ) « إنه ليس الذي تعنون ألم تسمعوا ما قال العبد الصالح ( إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ) إنما هو الشرك » وروي تفسير الظلم هنا بالشرك عن أبي بكر وعمر وابن عباس وأبي ابن كعب وحذيفة وسلمان الفارسي وغيرهم من الصحابة والتابعين ( رض ) . * * * وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ قيل إن الإشارة إلى كل ما تقدم في هذا السياق ، وقيل إلى الآية الأخيرة منه ، والأول أقوى وأظهر ، وأعم وأشمل ، والمراد بالحجة جنسها ، لا فرد من أفرادها ، أي وتلك الحجة التي تضمنها ما تقدم